شعار جهاز المخابرات الوطني العراقي
آخر الأخبار ينعى جهاز المخابرات الوطني العراقي بقلوب ملؤها الحزن والأسى إستشهاد .... شعار جهاز المخابرات الوطني العراقي

تاريخ الفنون

يتميز العراق بعراقة الفن فيه، فمنذ فجر التاريخ كان للفن التشكيلي والعمارة أثرهما في بناء حضارة بلاد الرافدين، وكانت للفنون السومرية والأكدية والآشورية ثم الحضرية وأخيراً الفنون الهلنستية آثارٌ مهمةٌ استطاعت التنقيبات المنهجية الكشف عنها، ففي متاحف العراق نماذج تدل على المستوى الرفيع للفن القديم الذي حمل هوية جمالية متميزة.

وفي العصر الإسلامي كان لفن المنمنمات وفن الترقين أثره في إعطاء صورة جديدة للفن التشكيلي، وكانت مدرسة بغداد تضارع مدارس الفن في إيران وفي مصر الفاطمية.

وبعد سقوط بغداد على أيدي المغول بقيادة هولاكو في عام 656هـ/1258م، وانهيار الدولة العباسية، تعاقبت على الحكم دويلات غير عربية، إلى أن خضع العراق للحكم العثماني، ثم إلى الانتداب البريطاني، فكان على الثقافة العراقية أن تتأثر بالمناخ الثقافي والمدارس الفنية التي فرضها الحكّام. كالأسلوب الباروكي الذي جاء عن طريق العثمانيين، والفن الأوربي الذي مهد له البريطانيون.

خضع العراق لمؤثرات ثقافية وافدة لها أثر في تغيير الهوية الأصلية، وهكذا ظهر فن اللوحة الذي حل محل فن الكتب، وكان نيازي مولوي بغدادي من أوائل الذين زاولوا التصوير الزيتي أو المائي في صور مصغرة متأثراً بالطابع التقليدي لفن الترقين الذي زين المخطوطات، واستطاع هذا المصور أن يؤلف بين الصورة والزخرفة والخط العربي؛ إذ كان أصلاً بارعاً في الخط الفارسي. وكان اهتمام المبدعين قوياً بتجويد الخط العربي، وكان من الخطاطين محمد النائب البغدادي, وأحمد عبد الله البغدادي، وسفيان الوهبي، وعثمان الياور، ومحمد ابن الواعظ، وبكر صدٌقي، وعبد الله نيازي. ومن أشهر الخطاطين العراقيين محمد هاشم البغدادي . إلى جانب الخط كان فن التصوير الشعبي سائداً، وقد تحدث المؤرخون عن أثر وباء الطاعون في القضاء على صفوة الرسامين والخطاطين.

كان العراق تابعاً للنفوذ العثماني منذ عام 1638 حتى الحرب العالمية الأولى، إذ سيطرت بريطانيا على البلد بموجب معاهدة سان ريمو بعد اتفاقية سايكس بيكو؛ ولم يكن سهلاً على العراقيين تقبل تأثير الثقافة الأوربية، وبقيت التقاليد الفنية السائدة مرتبطة بالفنون الشعبية وبالحرف اليدوية، ونادراً ما مورس التصوير الذي ازدهر في العصر العباسي تحت اسم مدرسة بغداد، التي لمع فيها يحيى الواسطي، ولكن ثمة صوراً شعبية كانت تعبر عن القصص الشعبي المعروفة في العراق. برزت الزخارف الشعبية التصويرية أو الرقشية في صناعة الزجاج المعشق والزخارف الخشبية في المنشآت المعمارية التي كانت تنفذ تصويراً أو نحتاً على الحجر. وكانت صناعة النسيج والسجاد وفن الفخار والمصنوعات الجلدية والصياغة المعدنية من أجناس الفن التطبيقي الذي ساد وبقي حاملاً مفهوم الفن قبل التشكيلي.

الفخار والخزف في العراق القديم والحديث

تعتبر صناعة الفخار والخزف من أقدم الفنون الأنسانية، حيث صنعت الأواني في بعض الحضارت من الحجر المنحوت مثل الألبستر والكرانيت والبازلت والحجر الجيري، الى جانب الفخار الذي كان معروفاً في كل بقاع العالم.

أما في بلاد ما بين النهرين؛ مهد الحضارت والفنون فقد ظهر فن الخزف والفخار في عصور ما قبل التاريخ و زينت جدران المعابد بأوتاد صغيرة من الفخار المزجج الذي أستخدم في تغليف جدران المقابر أيضاً والقصور في مدينة الوركاء الواقعة في جنوب العراق في محافظة الناصرية، وهي من المدن التاريخية العريقة لما لها من أرث عظيم. أبتدأت هذه المدينة بالفن منذ 4500 ق.م أي قبل التاريخ ومروراً بعصر فجر السلالات كالعصر الأكدي والسومري والبابلي القديم والحديث، كما أكتشفت في هذه المدينة الكتابة قبل 3500 سنة ق.م.

كانت دراسة الدكتور العراقي بهنام أبو الصوف رائدة في مجال الخزف العراقي القديم الذي أختاره موضوعاً لدراسته وأعتبره المادة الأساسية والحيوية لتقدير عمر الموقع الأثري، أو البناء الاثاري، أو ربما العصر بأكمله. فدراسته لفخار الوركاء تعد المدخل النظري للتطبيقات العملية ولدراسات النظرية اللاحقة، فتوضح له بأن فخار الوركاء بأنواعها (الحمراء/الرمادية/السوداء) كلها أنواع لصناعة واحدة تعود الى أواخر عصر العبيد. كما أن بعضها قد عرفته تقاليد صناعات الفخار العريقة في العراق منذ الألف السادس، كما هو معروف من مواقع (حسونة، نينوى، تل الصوان) حيث انتجت كل هذه الأنواع من طينة محلية وأحرقت بكور فخار محلي.

أنتشر الفخار بشكل كبير في كل أرض الرافدين فعبر عن تاريخ ومستوى تلك الحضارت. و وجد هذا الفن في مداخل شارع المواكب في بابل العظيمة، وفي جداريات بارزة على البنايات المطلة على هذا الشارع، وكذلك على شكل أعمال فخارية جميلة ومتقنة تمثل الأواني الفخارية المستخدمة للزينة والأعمال المنزلية مزينة بالزخارف نقشت على سطح الأواني.

في القرن الحادي عشر الميلادي كانت أعمال الخزف في العراق متأثرة بالطابع الساساني، فكانت الزخارف المستخدمة تشابه مثيلاتها في الشام ومصر. خلت تلك الزخارف من رسوم الأشخاص، وكان الفخار غير لامع يزخرف بالحز وبالدهان وبأختام خاصة أو بضغط عجينة من الطَّفل على سطح الأناء الفخاري لتزينه، وما زالت تستعمل هذه الزخارف على الأواني الفخارية حتى اليوم. في مرحلة لاحقة، بدأ الخزافون باعطاء سطح الفخار طبقة لامعة وذلك بمنحه طلاء أبيض يحتوي مادة قصديرية.

حديثاُ والى ماقبل أعوام قلائل لم يوجد ما يطلق عليه تشكيلياً أسم الخزف الفني عدا نشاط بعض معامل الفخار الشعبي البسيط والذي استمر في تكرار نفسه في المشربيات وجرار كبيرة وأواني للأستعمال البيتي ولتبريد الماء، كذلك معامل الخزف في كربلاء والكاظمية وغيرها.

أما فن الفخار العراقي الحديث فقد أبتدأ قبل منتصف القرن الماضي وبعد تأسيس معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1935 والذي بدأ فيه تدريس الفنون التشكيلية الحديثة بعد عام 1939. كانت أول من درست فن الفخار في العراق هي زوجة الآثاري (سيتن لويد) وهي في الأصل نحاتة، درّست النحت في 1948 - 1949 وبعدها جاء الخزاف البريطاني (أيان أولد) الذي طُلب منه تأسيس فرع الخزف في المعهد فأسسه عام 1955 ودرّس فن الخزف عام 1955 - 1956. ولدى مغادرته العراق الى لندن، التقى بزميل دراسته في ( المدرسة المركزية للفن والتصميم ) الخزاف القبرصي المعروف عراقياً ( فالانتينوس خرالامبوس ) فعرض عليه وظيفة شاغرة في معهد الفنون في بغداد. أقتنع بالعرض وأستقل أول طائرة قادمة الى بغداد لكي يصلها في شهر تموز الحار و بقي مدرساً للخزف في معهد الفنون الجميلة الى عام 1968 وبعدها أنتقل الى كلية الفنون الجميلة. أحب فالنتينوس العراق كثيراُ فتعلم لغته وأنغمر في تدريس أجيال من الطلاب ولم يترك بغداد الى فترة الثمانينات بسبب الأوضاع السياسة في البلاد. له طلاب كثيرون ومنهم الخزاف العراقي الأول سعد شاكر الذي تعرف على عائلة أستاذه في قبرص والمنحدرة من أجيال متعاقبة من الخزافين المحترفين هناك.

الفن التشكيلي المعاصر في العراق (الاكتشاف والتنوع الاسلوبي)

يُعدُّ العقد الخمسيني من القرن المنصرم من أهم المراحل الزمنية التي مرَّ بها الفن التشكيلي العراقي، حيث الإكتشاف وتنوّع الأساليب والتقنيات المتطورة التي ساهمت في إثراء الحركة التشكيلية العراقية وتداخلها مع المناخ الثقافي والاجتماعي والسياسي وحتى الاقتصادي، فقد ارتبط الفن في مرحلة الخمسينيات بأسماء بارزة في التشكيل العراقي أمثال فائق حسن و جواد سليم و حافظ الدروبي وشاكر حسن آل سعيد وغيرهم من أعلام الفن العراقي، فبدأت الفنون في هذه المرحلة بالمرور بتحولات متسارعة لتصبح الحاجة ملحة في ساحة الفن التشكيلي المحلي إلى ظهور جماعات فنية اخذت على عاتقها نشر الوعي الفني الابداعي، فضلا عن الحيلولة دون توقف فنانينا عند مجريات الغرب الثقافية والفنية، بل المضي قدماً بتحديد الأطر الخاصة بهم بما يتلائم وإرثهم الحضاري ومتطلبات عصرهم بما يخدم المجتمع العربي والعراقي على وجه الخصوص.

وهكذا انطلقت في مقتبل هذا العقد الجماعة الفنية الأولى عام 1950 وسُمِّيت (جماعة الروّاد) بزعامة الفنان فائق حسن، وجاءت هذه الجماعة تجسيداً لهاجس الأسلوبيات الغربية دون استيعاب وتمثل، وقد اهتمت هذه الجماعة برسم الطبيعة ومظاهر الحياة الاجتماعية واليومية وكان من أعضائها خالد القصاب وإسماعيل الشيخلي ومحمود صبري وآخرين، وكان المضمون الإنساني هو القوام التشخيصي لدى كل من الفنانين فائق حسن وإسماعيل الشيخلي ومحمود صبري وهم أهم اقطاب هذه الجماعة الفنية.

يُعدُّ الفنان فائق حسن المؤسس الأول لجماعة الروّاد ثم إسماعيل الشيخلي ومن ثم الفنان زيد صالح الذين وجدا في محمود صبري مؤشراً جديداً ساعد على ظهور جماعة الروّاد بمظهر الجماعة المواكبة للواقع الحديث، فقد اتسمت نتاجاتهم بطابع التجريب وعدم وجود أسلوب محدد للعمل الفني، وقد انضم لهم فيما بعد الفنان جواد سليم عند عودته من العاصمة البريطانية لندن بعد اتمام دراسته، لكنه ما لبث أن انفصل عنهم بعد معرضهم الأول مؤسساً (جماعة بغداد للفن الحديث) عام 1951 والتي وقفت نقيضاً للجيل الأول من الرسامين وجماعة الروّاد من بعدهم، وقد تألفت هذه الجماعة من رسامين ونحاتين ولكلٌ أسلوبه الخاص المختلف عن الاخر، لكنهم يلتقون في استلهام الجو العراقي لتنمية تلك الأساليب فهم يبتغون تصوير واقع الناس بشكل جديد يحدد إدراكهم وملاحظاتهم لحياة هذا البلد الذي ازدهرت فيه حضارات واندثرت ثم ازدهرت، ولم يغفل هؤلاء الفنانون عن التطوّر الفني السائد في العالم فقد تميّز جواد سليم كفنان بالخوض بكل الاتجاهات الفنية، إذ تأثر واستجاب للعديد من الفنانين العالميين، فضلاًعن تأثره بالفن العربي القديم والإسلامي ومنه فنون الواسطي ومنمنماته بشكل خاص.

لقد سعى فنانو جماعة بغداد للفن الحديث إلى تحقيق فكرة ربط التراث العربي بروح العصر من خلال طروحاتهم الفنية الداعية إلى استلهام خصائص التراث العربي الإسلامي وفق رؤية عصرية ومحاولة ربطها بالقيم الفنية الحديثة وبناء اساليب جديدة قائمة على التزاوج الحضاري، وقد أشار جبرا إبراهيم جبرا لذلك في إحدى كتاباته عن جواد سليم بأنه قد جمع بين الموهبة الفطرية والمعرفة الجادة وبين الحسّ التاريخي والنظرة المتفتحة جامعاً تأملاته وأعماله بين منحوتات سومر وآشور ويحيى الواسطي ونحاسيات العباسيين وشتى نظريات الفن الحديث حتى اكتسب اسمه في العراق هالة أسطورية، ويشير جواد سليم أن كل نتاج فني مهم في أي زمان ومكان ما هو إلا مرآة يُعكس فيها الواقع المُعاش، وكان من بين أعضاء جماعة بغداد جبرا إبراهيم جبرا وخالد الرحال ورسول علوان وشاكر حسن آل سعد وطارق مظلوم وآخرين، وليس من شك أن تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث يمثل نقطة تحول مهمة في تأريخ الفن التشكيلي المعاصر في العراق فقد أصبحت التجربة الفنية للفنانين من رسامين ونحاتين قائمة على دواعٍ جمالية جديدة قائمة على الحداثة المحتفظة بمضمونها الوطني والقومي.

وفي العام 1953 التفّ بعض التشكيليين حول الفنان حافظ الدروبي مؤسسين جماعة جديدة سميت (بجماعة الانطباعيين) إذ كان الفنان العراقي متأثرا بالمدرسة الانطباعية بشكل واضح في بداية الحركة الفنية الحديثة وأستمر هذا التأثير كقاعدة أساسية في الاستعمالات اللونية رغم تعدد الاتجاهات والاساليب الفنية مع الاحتفاظ بالروح الحضارية للبلد ليظل لجماعة الانطباعيين العراقيين موقفهم القومي من الفن العراقي باسلوبهم الخاص.

ومع تأسيس هذه الجماعات الفنية الثلاث (الروّاد وبغداد والانطباعيين) زخر العقد الخمسيني بالكثير من المعارض الفنية الجماعية والفردية وعلى الصعيدين الدولي والمحلي، ومن أهم هذه المعارض، المعارض السنوية التي يقيمها معهد الفنون الجميلة ودار المعلمين العالية ومعرض بغداد للرسم والنحت لنادي المنصور (1956 - 1957 – 1958) وبعض من المعارض المشتركة بين الفنانين العراقيين والأوربيين في الأعوام (1951- 1953 – 1956) وأيضا معرض المرفوضات عام 1958 ومعارض فنية عراقية في الهند وبيروت واخرى في الصين عام (1958)، وكان لهذه المعارض الأثر الكبير في تنشيط الحركة الفنية العراقية بشكل عام فقد استقطبت الجماهير بتنوّع ثقافاتهم واحتدم النقاش فيما بينهم حول التقنيات والأساليب المختلفة والحديثة التي تميزت بها الأعمال الفنية في تلك المعارض التي غلبت عليها سمة التجديد والمزاوجة بين التراث والمعاصرة، ومن هنا بدأ الفن التشكيلي والتنظير الفني يلعبان دوراً بارزاً في الساحة الثقافية التشكيلية في الكشف عن إنسانية الفن الحديث وذوقه المعاصرين ليصبح مجالا للتعبير عن هموم الفرد وطموحاته.

استخدم الآن الرقم الساخن للتبليغ عن اي عمليات ارهابية

بِخُطىً واثقة، نؤمن الوطن

400